محمد ابراهيم شادي
5
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
الأول : كيفية التصوير الحسي للمعاني . الثاني : التأثير النفسي لذلك التصوير . ففي قوله تعالى : ( أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) [ يونس : 24 ] ، يقول : أصل الحصيد للنبات ، وحقيقته مهلكة ، والاستعارة أبلغ لما فيه من الإحالة على إدراك البصر ، وفي قوله عز وجل : ( الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ إبراهيم : 1 ] ، يقول : " كل ما جاء في القرآن من ذكر ( الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) فهو مستعار ، وحقيقته من الجهل إلى العلم ، والاستعارة أبلغ لما فيه من البيان بالإخراج إلى ما يدرك الأبصار " « 1 » . وهو يقصد مردود الاستعارة على المعنى قوة وبيانا لما فيها من تصوير ومشاهدة بالبصر ، ولذلك كانت أبلغ من الحقيقة ثم نجد إشارته للأثر النفسي الناشئ من ذلك التصوير في بعض الاستعارات كقوله تعالى : ( وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ) [ التكوير : 18 ] ، يقول : " تنفس هاهنا مستعار وحقيقته إذا بدأ انتشاره وتنفس أبلغ لما فيه من الترويح عن النفس " « 2 » . ويفهم من جملة تعقيباته على تلك الاستعارات أن التعبير القرآني يرتقي بالدلالة ارتقاء لا يصل إليه التعبير البشري المفسر لتلك الاستعارات وهذا من صميم الإعجاز . وهناك ميزة أخرى تؤدي إليها استعارات وتشبيهات القرآن الكريم هي تحقيق غايات دينية وأهداف تربوية يشير إليها الرماني في تعقيبه على كثير من الشواهد ، ففي قوله تعالى : ( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ) . . - الآية 24 من سورة يونس - يقول : " وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به وقد اجتمع المشبه والمشبه به في الزينة
--> ( 1 ) النكت ضمن ثلاث رسائل 92 . ( 2 ) النكت ضمن ثلاث رسائل 90 .